التواضع .. مقالة .. عادل غنيم

 

التواضع .. مقالة .. عادل غنيم

– الصورة: الريف الرائع لقرية الطلمبات بالقرب من مدينة أبو حمص – محافظة البحيرة – مصر

 

التواضع – فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ (يوحنا 14:13) – إن التواضع فى الخدمة هو الذى يجعل لها قيمة فاعلة تؤثر فى المتلقى

 

من يخدم لابد أن يكون محبا لمن يخدمه .. بدون الحب فى العطاء يصبح الشىء المعطى لا قيمة فاعلة له لدى المتلقى .. لذلك فإن الهدية تكون من القيمة بدرجة أكبر من اكتساب نفس الشىء من المتجر .. والنصيحة أقوى من المعلومة .. والأم تنجح فى إقامة وليدها لأنها تحبه فى حين يموت البالغين وهم بين إناس كثيرين .. والحب – الذى هو الله عينه العامل فى المؤمن – هو الذى يعمل من المغفرة والعطاء ما لا يمكن تقديره .. إن الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا (1 بطرس 8:4) .. إن المحب يتمنى أن يرفع أى تعب أو مشقة أو حزن عمن يحبه ويحمله هو .. ويمتد حبه الى الدرجة التى يكون فيها مستعدا لبذل نفسه والتضحية بها من أجل من أحب .. لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (يوحنا 3: 16- 17) .. بهذا الحب الذى سكن فينا للبشرية ولملكوت الله الواسع من حولنا نعطى ونفدى بدون تردد كل من نحبه من المؤمنين من البشر أو الذين هم مستعدون لقبول الإيمان أو حتى الشاردين الضالين .. فنحن نحبهم لأن فيهم الأمل أن يعودوا الى الله – مصدر الحب العامل فينا والممتد منا الى كل العالم – ويكونون على صورته وبهاؤه ..

والحب يتنافى مع الكبر والتعالى على المخلوقات التى نحبها .. إن الحب هو التواضع من المحب للمحبوب وكما أحب الله العالم صرنا بالروح القدس – روح الله وطاقته الساكنة فينا – نحب العالم من القلب مثله .. ومستعدون للفداء والتضحية من أجل خلاصه .. إن التواضع فى الخدمة هو الذى ينجز بواسطتها المعجزات .. فالإتيان بضال من عدم الإيمان الى الإيمان هو معجزة بالمعنى الصريح للكلمة .. فمن العذاب الأبدى فى أتون النار والكبريت الى البقاء الى الأبد فى ملكوت الله المنعم حتى المنتهى .. إن الله قد قيد أسماء المؤمنين المتحولين من عدم الإيمان أو الشك الى الإيمان فى سجل الحياة منذ البداية من قبل تأسيس العالم كله .. لأنه يعلم الملء الزمنى والأحداث كلها التى تقع وستقع فى ملكوته وخليقته المدهشة .. والله أعد المبشر ووجهه الى هذا المتحول العابر من أجل إتمام ما قرره فى البدء عنده فى علياؤه .. لذلك هو قد مدنا بهذا الحب العميق للإنسانية وللهالكين منها بصفة خاصة لأنهم مادة عملنا المعجزى خلال سيرتنا القصيرة المضيئة كالبرق فى العالم ..

فتواضعنا فى الخدمة يشمل كل الناس بمن فيهم العاصين .. حتى من يضطهدوننا فى الخدمة من  سكان مملكة الظلام العاملة بواسطة الشيطان فى العالم ضد مد ملكوت الله على الأرض .. لقد صلى يسوع المسيح لصالبيه وهو فى نار الصليب معلقا .. يَاأَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ (لوقا 34:23) .. ومهما تعرضنا للإضطهاد والمهانة فى سبيل نشر الكلمة فنحن مستمرون فى العمل بلا كلل أو تردد .. والله يقيمنا من كل ما يقع علينا من مذلة أو إحتقار أو إهانة .. وهو يدافع عنا ولن يتركنا ونحن ننشر كلمته المقدسة بين غير المؤمنين .. شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ.. (لوقا 18:21) .. لقد وعدنا الله بالحماية وضمن سلامتنا فى العالم ..

إن المؤمن بعد أن آمن واتحد بالله ذابت شخصيته فى الحضرة الإلهية العظيمة التى حلت عليه وسكنته .. فلم تعد له شخصية بشرية سقيمة مقيدة بالقوانين والأعراف البشرية التى تعمل جاهدة وعابثة فى الوقت نفسه – بلا جدوى – على تعظيم القيمة البشرية للناس ولفكرهم .. متجاهلة الروح القدس العظيم – الذى هو من الله والعامل على المؤمن – والذى هو المصدر الحقيقى لقيمته .. هل يتساوى المؤمن مع غير المؤمن؟! .. هل يتساوى من يعمل بقوة الله ومن يعمل بإرادته البشرية؟! .. من يعمل بإرادته البشرية بعد أن سقطت ونقصت بسقوط آدم الأب البشرى وانفصاله عن الله ووراثة الجنس البشرى كله لنقصان آدم هذا عبر الأجيال .. إن المؤمن له مهابة كبرى كونه صورة الله من حيث البر والقداسة فى العالم المادى الدنيوى الغليظ .. إن اللطف والحب والتضحية والتواضع فى الخدمة كلها من عند الله وليست من طبيعة بشرية خالصة تصدر على الإطلاق .. إن السلوك الربانى للمؤمن فى المغفرة والفداء للآخرين – حتى الخطاة منهم – يجعل قيمته لاحدود لتقديرها كما هى قيمة الله الخالق الواجد لكل الموجودات فى الخليقة بإعجاز عجيب غير مفهوم للعقل البشرى هذا الناقص وللطبيعة البشرية العاجزة على إدراك تلك العظائم فى الخلق .. إن المؤمن من الكبر الى درجة أنه متواضع للغاية فى أداؤه للعمل التبشيرى بين الناس ..

يجب علينا جميعا أن ندرك أن الحياة هى نعمة وفضل من الله .. نعمة أى أننا لانستحقها .. وأن وجودنا – مجرد وجودنا – فى العالم بهذه الهيئة البشرية وبهذه الموجودات التى من حولنا لخدمتنا هى قيم لانستحقها بالمرة .. وإن فضل الله علينا لاحدود له .. لأن طبيعتنا البشرية التى سقطت تستحق الفناء الأبدى على الفور .. لكن رحمة الله اللامتناهية فى الكبر وعظمته التى لاحدود لها وصلت الى درجة أنه قد قدم لنا كل هذه العطايا والحياة نفسها التى نمر بها وكذلك إبنه القدوس يسوع المسيح ليعمل خلاصنا الأبدى – وكل تلك العطايا تعمل فرصة عظيمة لتحقيق الإيمان بواستطها .. والعودة والإتحاد مع الله من جديد – إن كل هذا النعم تنم على تواضع الله اللامحدود لأنه مهتم بنا نحن الخطاة ..

لقد أرسل الله إبنه الروحى يسوع المسيح فى صورة بشر .. وتماما مثله مثل الخطاة صار عندما لبس جسد الخطية الذى هو للبشر .. وتجسد هذا الكمال الإلهى فى شخص يسوع المسيح المخلص فى جسد بشرى ناسوتى – أى من ناس مثلنا – هو حتمى الهلاك بعد سقوطه المريع .. هذه هى قمة التواضع التى ظهرت فى خليقة الله تعالى شأنه وتمجد هو ومن خلقه على شاكلته .. إن الله كان من التواضع بحيث أمات إبنه القدوس على الصليب من أجل عمل خلاصنا نحن الخطاة ومن أجل أن نرد إليه ظافرين منتصرين على الموت الذى ينتظرنا .. ذلك لكوننا نعانى من تأثير الخطية علينا .. لأننا وإن لم نقترفها فى حياتنا فنحن وارثين لها عن أبونا الشرى آدم منذ البدء .. أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ (رومية 23:6) .. إن تواضع الله مثل يجعلنا نحتذى حذوه – مع الفارق الهائل فى مستوى بذلنا نحن من أجل مد الملكوت الى العالم وبين ما أنجزه الله عندما خلق هذا الملكوت من عدم من أجلنا – إننا نتمكن من احتمال كل الآلام من أجل إعلاء كلمة الله فى الأرض بين غير المؤمنين لنردهم عن عدم إيمانهم .. ونزيد بهم من أعضاء المملكة الربانية البهية التى هى مزمع – من الله – أن يقيمها على الأرض لتبقى الى الأبد سكنا للمؤمنين المخلصين أبناؤه الروحانيين من البشر ..

إن الخدمة التبشيرية مع العصبية والكبرياء لاتجذب الغير مؤمنين الى الكلمة المقدسة لله أبدا .. إننا نبذل بهدوء ووداعة كل ما فى وسعنا من أجل نشر الكلمة الربانية المقدسة .. ونحن قد أصبحنا بالإيمان بلا شخصية بشرية تعز علينا نحرص عليها زاهية بين الناس المراقبين لنا .. لذلك يندهش كثير من الناس من تسامحنا وتواضعنا مع من يعتدى علينا .. لكن هؤلاء الناس بعد أن يؤمنون مثلنا سيجدون أن التواضع هو من صفات الله العامل فينا وهو من أساسيات إنجاز المهمة الكبرى التى نقوم بها بين الناس والتى كلفنا بها المسيح له المجد .. ويجب أن نفهم من يتصور تواضعنا أنه ضعف أنه مخطىء بل أن التواضع يدلل على وجود القوة المسيطر عليها ..

إننا نمضى فى الدنيا بجسد الخطيئة المستحق للهلاك للتو وللحظة لولا رحمة الله .. لذلك كل الأمور قد هانت علينا لأن كل ما نحن فيه لانستحقه وهو إضافة ومكسب يبهجنا .. وهو يقع علينا من دون إستحقاق بفضل من الله ومن نعمته ورعايته المباشرة لنا .. نحن الذين آمنا وصرنا أبناؤه ومحبيه مرة أخرى والمتحدين معه الى الأبد فى فردوسه العظيم .. ذلك الفردوس الذى نعاين حاليا أجزاء منه كل حين تنعشنا فى الروح الى الدرجة التى تتقلص فيها عظائم العذابات التى قد نتعرض لها فى الدنيا وتتلاشى فى لمحة من الزمن .. وعند المجىء الثانى للمسيح للعالم لعمل دينونة الأشرار الغير مؤمنين بعد كثير من الإنذارات – ذلك المجىء القريب جدا – سوف نعاين الملكوت الإلهى بأكمله والإنتصار الكلى على العالم الهاوى وعلى الموت الذى أنتجه ..

إننا نخدم بمنتهى التواضع والحب لكل الإنسانية التى كرمها الله وميزها كثيرا عندما اختارها لأن تكون على صورته فى البر والقداسة على الأرض وفى الكون المادى كله .. لكى يحل الملء أو الله بملكوته العجيب وبمشيئته المعجزية القادرة من السماء الى الأرض المادية كما نصلى دائما لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْض (لوقا 2:11) ..

 

Author: Adel Ghonim

E- Mail: adelghonim@mailde.de

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *